Thursday , 14 December 2017

عاجل
صحيفة أميركية: تحركات الصدر أربكت طهران.. وهكذا ستنتقم

صحيفة أميركية: تحركات الصدر أربكت طهران.. وهكذا ستنتقم

نشرت صحيفة (هانفغتون بوست) الأميركية، تقرير لها تحدثت فيه عن زيارة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الى دول الخليج ودعوته بعد ذلك لحل الحشد الشعبي، فيما أشارت الى خطط طهران “الانتقامية” لكسب الصدر والمحافظة على قوات الحشد الشعبي في العراق.
وذكرت الصحيفة في تقريرها، أن تحركات الزعيم الشيعي مقتدى الصدر مثيرة للدهشة بالنسبة للمراقبين؛ فالرجل الذي أسس جيش المهدي الذي قاتل الاحتلال الأميركي وتورطه في الصراعات الطائفية في الوقت ذاته- طالب بكل جرأة مؤخراً بحل الحشد الشعبي المقرَّب إلى الحرس الثوري الإيراني ودرَّة تاج الإمبراطورية الإيرانية.
ويأتي هذا الموقف في إطار تطوُّر لافت تشهده الساحة السياسية العراقية، فعلى مدار الشهور القليلة الماضية، كثَّفت الجماعات السياسية الشيعية في العراق جهودها؛ استعداداً للانتخابات البرلمانية التي ستجري في العام المقبل، 2018.
ما أثار استياء إيران، التي تدعم عدداً من هذه الجماعات، أن بعض الشيعة العراقيين نأوا علناً بأنفسهم عن طهران، راعيهم الإقليمي؛ لأن وضعهم كقوى مستقلة، بعيداً عن وصايتها، سيجعلهم يفوزون بأصوات الناخبين العراقيين، حسب تقرير لمجلة “فورين بوليسي” الأميركية.
وقبل عام من إجراء الانتخابات البرلمانية العراقية، فاجأ عمار الحكيم، بدوره، إيران بخروجه من المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، قبل أن يطلق الصدر دعوته، حسب تقرير لموقع إرم نيوز.
ونقل التقرير عن موقع “مثلث”، القريب من دائرة التيار الأصولي المتشدد في إيران، أن “عمار الحكيم والصدر تمردا على إيران وأدخلا العراق في سياسة جديدة”.
وحسب “فورين بوليسي”، “تشعر طهران بقلقٍ خاص من أنه بعد طرد تنظيم داعش نهائياً من العراق، فإن الحوار السياسي الذي سيحدث بين مختلف الفصائل السياسية في البلاد، وكذلك بين المجموعات العرقية والطائفية في العراق، حول تقاسم السلطة، سوف يستعبدها؛ مما يعرض مصالحها طويلة الأجل بالسيطرة الإقليمية للخطر”.
وهناك الآن نقاش في طهران حول ما إذا كان الاتجاه في بغداد هو مجرد زوبعة فنجان، أو يتعين على طهران التكيف مع الوضع الجديد وتعلُّم العيش مع قومية شيعية عراقية متمردة، حسب تعبير “فورين بوليسي”.
الصدر في السعودية
ويمكن أن يكون لنتائج هذا الصراع بين الشيعة تأثير كبير على المصالح الإيرانية خارج حدود العراق.
ولقد كان الحذر الإيراني واضحاً عندما ظهر رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، في 30 يوليو تموز/الماضي 2017، بمدينة جدة السعودية، خاصة أن الصدر يُنظر إليه باعتباره المنافس الشيعي الرئيس لإيران.
ويرى التقرير أنه على أقل تقدير، سيؤدي ضعف التأثير الإيراني على الشيعة العراقيين إلى إبطاء خطط طهران لتوسيع نفوذها الأيديولوجي في المنطقة.
لطالما رصدت طهران عن كثب، كل تطور وتحول في السياسة الشيعية العراقية، لسببٍ وجيه؛ ألا وهو أنه ربما يكون نفوذ طهران على الجماعات الشيعية العراقية أكبر إنجازاتها في السياسة الخارجية منذ تأسيس حزب الله اللبناني في 1982.
ولهذا السبب، كان ظهور الصدر في المملكة العربية السعودية يمثل مفاجأة لطهران، حسب “فورين بوليسي”.
ومن المعروف أن الصدر هو قومي عراقي شيعي، وكثيراً ما كان على خلاف مع الجماعات الشيعية الموالية لإيران، فهو مستقل ومن الصعوبة بمكان كسب ولائه لإيران.
ومع ذلك، فقد أدت زيارة الصدر للسعودية، التي تعد رأس الحربة في الجبهة المناهِضة لإيران، واستقباله من قِبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهو رجل ينظر إليه الإيرانيون على أنه يقود حملة ضد إيران- إلى تكهنات كثيرة في طهران حول دوافع وأهمية الزيارة.
ولطالما كان الصدر، منذ وقت طويل، مناهضاً للنفوذ الإيراني المتزايد بالعراق علناً. وفي الوقت نفسه، فإنه يجد ملاذاً آمناً في إيران كلما احتاج إلى مكان للاختباء.
فقد أمضى الصدر 3 سنوات في المنفى بإيران عندما كان الجيش الأميركي يتطلع إلى اعتقاله؛ لدوره في الثورة ضد القوات الأميركية بالعراق.
وحتى يومنا هذا، لا يعرف الكثير من المراقبين العراقيين مدى قدرة إيران على التأثير عليه، سواء بالماضي أو في الحاضر.
ولدى عودته إلى العراق في عام 2011، حافظ الصدر على موقفه المناهض للولايات المتحدة. فى الوقت نفسه، ألقى بثقله لتأييد نوري المالكي، رئيس وزراء البلاد السابق المدعوم من طهران. وفي ذلك الوقت، لم يكن الصدر بالتأكيد صديقاً للرياض. وبين عامي 2011 و2016، هاجم الصدر بانتظامٍ السياسات السعودية في البحرين واليمن.
سرُّ مواقف الصدر
واليوم، بات من الواضح أن الإيرانيين يرون أن الصدر يتطلع إلى إعادة تصوير نفسه كشخص يبرز عن باقي الحشد السياسي الشيعي؛ حتى يتمكن من الحفاظ على أهميته على الساحة السياسية العراقية. والرحلة إلى جدة هي امتداد لتلك الجهود.
ويريد الصدر أن يُنظر إليه كبديل للأحزاب الشيعية الأخرى، واتخاذه نهجاً مختلفاً تجاه المملكة السعودية يمثل إحدى طرق القيام بذلك، رغم أنه ليس من المؤكد بعدُ ما إذا كان سينجح في تلك الجهود على المدى الطويل أم لا.
فمثله مثل أي زعيم آخر، يتأثر الصدر بالمشاعر العامة؛ فهو يتلقى دعماً تقليدياً من الشيعة الفقراء، والتي تعد السعودية قضية حساسة بالنسبة لهم.
وهذا قد يجعل من الصعب على الصدر أن يقترب بشكلٍ كبيرٍ من الرياض، خاصةً في ظل نتائج التدخل السعودي بالبحرين واليمن.
فالحروب في هذين البلدين لا تحظى بشعبية بين الشيعة بالعراق. وتعتقد طهران أن الصدر يأمل أن يساعده السعوديون في الحصول على الدعم من الجماعات السنّية العراقية المدعومة من السعودية، أو الشيعة في بغداد الذين ينتقدون طهران، مثل رئيس الوزراء السابق إياد علاوي.
واتضحت حيرة إيران بشأن خطط الصدر خلال الزيارة. ففي البداية، قيل إنه قام بتنسيق هذه الرحلة مع طهران. ووفقاً لهذه الحسابات، كان الصدر يعمل وسيطاً بين السعوديين والإيرانيين.
لكن هذا التفسير انتهى بمجرد عودة الصدر إلى العراق. وكرر الصدر مطالبته بأن تقوم الحكومة العراقية بحل “قوات الحشد الشعبي”، وهذه نقطة حساسة بالنسبة لطهران، التي كان لها دور أساسي في تنظيم وتسليح ونشر مثل هذه القوات، ليس فقط في جميع أنحاء العراق، ولكن أيضاً بساحات معركة سوريا؛ دفاعاً عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
التحدي الصدري أمام إيران
تكره إيران مجرد التفكير في حل قوات الحشد الشعبي. ويرى الإيرانيون أن دعوة الصدر جاءت بدافع منافسته للجماعات السياسية الشيعية، التي تقف إلى جانب الحشد الشعبي، مثل رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي رفض طلب الصدر في 5 أغسطس/آب 2017، قائلاً: “تخضع قوات الحشد الشعبي لقيادة الدولة والمؤسسة الدينية. فهي ملكٌ للعراقيين ولن تُحل”.
وحتى قبل زيارة الصدر للرياض، لم يدافع العبادي فقط عن قوات الحشد الشعبي؛ بل تعهَّد بـ”استمرارها سنواتٍ رغم معارضة بعض الأشخاص لها”، مسدداً ضربةً واضحة للصدر.
لم يحارب “داعش”.. هكذا ستقوض نفوذه
ولمواجهة نفوذ الصدر، أصدرت إيران روايةً رسميةً تجادل فيها بأن القوات المسلحة الموالية للصدر لم يكن لها علاقة بالحرب ضد “داعش”.
وتؤكد طهران أن هذه الحقيقة وحدها كفيلةٌ بحرمان التيار الصدري من الإدلاء بأي رأي يتعلق بمستقبل قوات الحشد الشعبي، التي كانت بالجبهة الأمامية في القتال ضد داعش.
وبناءً على الطريقة التي سيختار بها الصدر مواصلة معركته السياسية، ستستمر إيران، على الأرجح، في البحث عن طرقٍ لتهميش مؤيدي الصدر في الحوار الوطني الذي سيلي هزيمة “داعش”.
وإذا ما قرر الصدر التصعيد وشنّ هجومٍ كاملٍ على الوجود الإيراني في العراق، لن تقف طهران مكتوفة الأيدي.
وفي الماضي، كان النفوذ الإيراني يشكل قضيةً خلافية، أدت إلى انقسامات داخل التيار الصدري. ولذا، ما زال لدى طهران القدرة، على الأرجح، لتقويض نفوذ حركة الصدر من داخلها.
ويأتي اعتماد طهران على قوات الحشد الشعبي؛ بسبب نجاح نموذجها المماثل بسوريا في إبقاء الأسد بالسلطة، عبر التجنيد السريع ونشر المقاتلين الذين يحتاجهم النظام بشدة في سوريا.
وكان التحرك السريع لقوات الحشد الشعبي ضد تنظيم داعش بالعراق في عام 2014 ناجحاً، لدرجةٍ دفعت بعض الفرق العسكرية التابعة للحشد الشعبي إلى إرسال المقاتلين، الذين كانوا خاضعين لسيطرة إيران، إلى سوريا للقتال بجانب القوات المؤيدة للأسد.
والأهم من ذلك، يُعد نموذج قوات الحشد الشعبي نسخةً من نموذج الحرس الثوري الإيراني؛ إذ إنَّه فكرةٌ وليدة للحرس الثوري وقاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري والمسؤول عن تنفيذ عملياتٍ عسكرية خارج الحدود.
وفي إيران، يُعد الحرس الثوري دولةً داخل الدولة، حكومة موازية تقودها مصالحها الاقتصادية والسياسية الضيقة الخاصة بها.
ويتمتع الحرس الثوري بسلطةٍ هائلة في إيران، إلى الحد الذي يجعله قادراً على التهديد بعزل رئيسٍ منتخب، مثلما فعل مع الرئيس محمد خاتمي، الذي تولى الحكم في الفترة من 1997 إلى 2005، أو إرسال تحذيراتٍ متكررة، مثلما فعل مع الرئيس حسن روحاني في عدة مواقف.
وحلُّ قوات الحشد الشعبي في العراق -مثلما يدعو الصدر- سيُمثل نكسةً واضحة للطريقة التي يفضل الحرس الثوري العمل بها لتوسيع نفوذه في المنطقة؛ إذ يفضل مدَّ نفوذه من خلال قوات الحشد الشعبي بدلاً من التعاون مع الحكومة المركزية، سواء في بغداد أو دمشق.
وإذا ما قرر العراق حلّ قوات الحشد الشعبي، فإنَّ هذا قد يقوّض صورة الحرس الثوري كقوةٍ لا تُقهر، وهي الصورة التي يُروَّج لها في الداخل لحشد تأييد الشعب الإيراني.
يعي الصدر قطعاً أنَّ هجومه على قوات الحشد الشعبي تحدٍّ واضح للحرس الثوري الإيراني، لن يمر دون رد.
وستبقى الأسباب التي دفعته للسير في هذا الطريق محض تكهنات بلا أدنى شك؛ نظراً إلى علاقته المتشابكة مع الدولة الإيرانية. لكن، يظل هناك أمرٌ واحد مؤكد، وهو أنَّ إيران قد فوجئت بمناورة الصدر الأخيرة، حسب تقرير “فورين بوليسي”.
وبالطبع، ستكون عملية فصل طهران عن الجماعات الشيعية العراقية صعبةً؛ نظراً إلى طبيعة العلاقات بين الطرفين، والتي تعود إلى عقودٍ سابقة. وإذا ما بدأت جهود تفكيك العلاقات بينهما، فإنَّ الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً قبل أن أن ينتج عنه أي آثارٍ هامة.
ولا تزال طهران تشعر بالقلق: فإذا ما تمكن الصدر من إحداث تغييرٍ جذري بشأن نفوذها في العراق، فقد تتمكن الجماعات الشيعية الأخرى في بغداد من فعل هذا أيضاً.